تغيّر الانطباعات حول العراق

قد يُعذر المرء إن ظنّ أن العراق يعتمد فقط على النفط وأنه بلد يكافح الصراعات. لكن الواقع تجاوز هذه الانطباعات القديمة، إذ لم تعد تعكس التغيّرات والتطورات الحديثة الملموسة التي تشهد تقدماً ملحوظاً. فمع قدرٍ من الاستقرار الاقتصادي والسياسي، عاد العراق إلى الساحة ويمضي في طريق التحديث. وفي الواقع، وفي ظل السيناريوهات الحالية في الشرق الأوسط، بقي العراق إلى حدٍ كبير بمنأى عن الأزمات، وتعامل مع التوترات بهدوء ونضج.
يشهد المشهد المالي والاستثماري في العراق إعادة تشكيل مع بدء الإصلاحات في تحقيق نتائج ملموسة عبر مجموعة من القطاعات، ومع اقتصاد يتجه بسرعة نحو التنويع. كما يعكس أعضاء مجلس الأعمال العراقي-البريطاني (IBBC) هذا التنوع القطاعي، حيث يشملون منصات البث، وشركات تنظيم الفعاليات، وخدمات الاستشارات التصميمية، والصناعات البحرية، والسياحة، والتوظيف، إضافة إلى تزايد استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإدارة منشآت الإنتاج.
ولإعطاء لمحة عمّا يحدث بعيداً عن أعين وسائل الإعلام العالمية، يمكن النظر إلى ما يجري في عدد من القطاعات:
نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بمعدل متوسط يقارب 4٪ بين عامي 2021 و2023، مما يشير إلى تنويع الاقتصاد بعد سنوات من التقلب. كما بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مستوى قياسياً جديداً قدره 24 مليار دولار في عام 2025 مقارنةً بـ 2.6 مليار دولار في عام 2020، وهو ما يعكس الفرص المتاحة وثقة المستثمرين.
يشهد القطاع المصرفي عملية تحديث ملحوظة؛ إذ زاد استخدام المدفوعات الإلكترونية بأكثر من 120٪ بين عامي 2021 و2023، مدفوعاً بتوسع استخدام أجهزة نقاط البيع والمحافظ الرقمية. وأطلق البنك المركزي العراقي استراتيجية الشمول المالي الوطنية (2025–2029) لتوسيع الخدمات المصرفية الرقمية والتمويل الأصغر دعماً للقطاع الخاص وإعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى. هذه التحولات بدأت تغيّر نظرة الأسواق الإقليمية والعالمية إلى الاستقرار المالي في العراق.
يبقى النفط قطاعاً مهماً، إذ يخطط العراق لمضاعفة إنتاجه النفطي مع تنويع مزيج الطاقة ليصل إلى 8 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، إلى جانب توسيع البنية التحتية للطاقة بما يشمل مشاريع الطاقة النووية والغازية والشمسية، باستثمارات كبيرة تصل إلى 620 مليار دولار بحلول عام 2030. وتشمل المبادرات الرئيسية زيادة القدرة الإنتاجية للطاقة إلى 44 غيغاواط بحلول عام 2025، وتطوير 11 غيغاواط من الطاقة النووية، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي. ومن المتوقع أن يشكل الطاقة المتجددة نحو 33٪ من مزيج القدرة الكهربائية بفضل الزيادة الكبيرة في الطاقة الشمسية (5.3٪ في عام 2024). كما تتضمن المشاريع محطة لتحويل النفايات إلى طاقة في بغداد بقيمة 500 مليون دولار، إضافة إلى توزيع قروض من البنك المركزي العراقي لتركيب الألواح الشمسية للمنازل. وقد عادت شركة شِل إلى العراق لتحويل الغاز إلى كهرباء، ويزداد دور الغاز كمصدر مهم للطاقة. وتهدف خطة 2024–2028 إلى خفض مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 25٪ وخفض معدل البطالة إلى 10٪.
وعلى مستوى الاقتصاد الأوسع، تسهم جهود إعادة الإعمار والتنويع في إعادة تشكيل الانطباعات المحلية والدولية. فقد سجل العراق ناتجاً محلياً إجمالياً يقارب 267 مليار دولار في عام 2023، مما يجعله واحداً من أكبر الاقتصادات في المنطقة.
كما ارتفع الإنفاق الحكومي على التعليم إلى 9٪ من إجمالي الإنفاق العام، دعماً لتطوير القوى العاملة. وازداد عدد المسجلين في الجامعات العراقية بنسبة 30٪ منذ عام 2018، مما يعكس التركيز المتزايد على المهارات اللازمة لاقتصاد متنوع. وبالاقتران مع مشاريع البنية التحتية، تسهم هذه الجهود في دفع العراق نحو التحديث والتخطيط الاقتصادي طويل الأمد.
وتظهر التكنولوجيا والزراعة مؤشرات واضحة على التحول. فقد نما سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في العراق بنحو 14٪ في عام 2023، مدفوعاً بتوسّع شبكات الألياف الضوئية وزيادة الطلب على الخدمات الرقمية. كما تتجه الاستثمارات نحو الزراعة الذكية (Agritech) والتصنيع وقطاعات التكنولوجيا والإعلام، مع تركيز حكومي على الزراعة المتكيفة مع المناخ لمواجهة شح المياه، إضافة إلى تأمين استثمارات لإنشاء ثلاث مدن صناعية جديدة لتحفيز التصنيع المحلي. وفي القطاع الزراعي، بلغ إنتاج القمح أكثر من 6 ملايين طن في عام 2023، وهو من أعلى المستويات في تاريخ العراق، نتيجة تحسين أنظمة الري وبرامج الشراء الحكومية.
كما تسارع اعتماد الحكومة الإلكترونية، إذ يستخدم أكثر من 1.5 مليون مواطن منصات الخدمات الحكومية الإلكترونية الجديدة منذ عام 2022.
ويجري تنفيذ ممر نقل بقيمة 17 مليار دولار من الطرق السريعة والسكك الحديدية لربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية، مما يضع العراق كمركز تجاري إقليمي يربط آسيا بأوروبا. كما يشارك أعضاء مجلس الأعمال العراقي-البريطاني في تطوير الصناعة البحرية في البصرة من خلال إنشاء أكاديمية بحرية والاستثمار في بناء السفن.
إن أعضاء IBBC يعكسون ديناميكية التغيير عبر مبادرات في الاقتصاد البحري والتكنولوجيا والتعليم والطاقة المتجددة والقطاع المالي. لقد عاد العراق وهو في طور التحديث. والآن هو الوقت المناسب للانخراط في أحد الاقتصادات الواعدة في المنطقة؛ فالمبادرون الأوائل سيستفيدون من دخول السوق لأن الواقع بات يتقدم على الانطباعات.
وفي مؤتمر مجلس الأعمال العراقي-البريطاني في مانشن هاوس يوم 9 يونيو، سنركز على هذه التغيرات مع الأشخاص الذين يقودونها، وعلى الفرص التي يتيحها الاقتصاد العراقي المتطور للمستثمرين والمواطنين على حد سواء.




